ما دلالة تحركات الوزير بدر عبد العاطي في نيويورك؟

منذ 39 دقيقة

خلال جمعية الأمم المتحدة..

لم تكن تحركات الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي وشؤون المصريين بالخارج، خلال مشاركته في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، مجرد سلسلة من اللقاءات الدبلوماسية المعتادة، وإنما عكست نشاطًا واسعًا على أكثر من مسار، امتد من أزمات المنطقة وملفات الأمن والاستقرار، إلى العلاقات الثنائية والتعاون الاقتصادي والتنمية والعمل متعدد الأطراف.

وبخطى ثابتة ووتيرة متسارعة، تحرك عبد العاطي بين اجتماعات مع وزراء خارجية ومسؤولين دوليين ومبعوثين وشخصيات سياسية عربية وإقليمية ودولية، بلباقته المعهودة في محاولة لدفع الملفات التي تحظى باهتمام مصر، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والحرب في غزة، إلى جانب أزمات السودان وليبيا واليمن والملف الإيراني، وقضايا الأمن المائي والملاحة والطاقة والتنمية.

وتوزعت أجندة التحركات بين القضية الفلسطينية والحرب في غزة، وأزمات السودان وليبيا واليمن، والتوترات المرتبطة بالملف الإيراني وأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز، إلى جانب الأمن المائي في حوض النيل، والعلاقات المصرية مع القوى العربية والأفريقية والأوروبية والولايات المتحدة وروسيا والهند، فضلًا عن قضايا التنمية والطاقة والعمل داخل الأمم المتحدة.

وتبرز في هذه التحركات قدرة وزير الخارجية على بناء قنوات تواصل مباشرة مع أطراف متعددة، وهو ما ظهر في تنوع اللقاءات واتساع نطاقها، بالتوازي مع التأكيد على ثوابت الموقف المصري في القضايا الإقليمية، والعمل على تقريب وجهات النظر بذكاء ودهاء الوزير عبد العاطي لدعم المسارات السياسية والدبلوماسية.

2b8fd98264.jpg

موقف قوي وحاسم تجاه إثيوبيا المتوهمة

حيث شكّك وزير بدر عبد العاطي في قبول أديس أبابا اللجوء إلى التحكيم الدولي لحل نزاع «سد النهضة»، مؤكدًا مخالفة إثيوبيا للقانون الدولي وفرض الأمر الواقع ضمن سياساتها الأحادية المزعزعة للاستقرار في القرن الأفريقي وحوض النيل الشرقي، والإعلان عن انتهاء سدها، وأن ما مضى قد مضى.

وشدّد الوزير عبد العاطي أن أديس أبابا «حالمة، أو بالأصح متوهمة أن مصر ستنسى حقوقها ومصالحها الوجودية في نهر النيل، وإن كان هناك من يتشدق بمزاعم التزامه بالقانون الدولي، فإننا على أتم الاستعداد لتناول الأمر في آليات القضاء أو التحكيم الدولية، ذلك إن صدقت النية للاحتكام لهذه الآليات»، قائلا: "المياه قضية وجودية، وتعد (حياة أو موت) بالنسبة لمصر... والقاهرة تحتفظ لنفسها بحقّ الدفاع عن النفس لحماية أمنها المائي".


غزة وفلسطين.. قضية مصر الأولى دائمة الحضور

احتلت القضية الفلسطينية وقطاع غزة مساحة بارزة من تحركات عبد العاطي في نيويورك، إذ ناقش تطورات الحرب والأوضاع الإنسانية وخطة السلام وإعادة الإعمار في عدد من لقاءاته مع المسؤولين الدوليين والعرب والأوروبيين والأمريكيين.

وخلال اجتماعاته، شدد الوزير على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار، وتنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في غزة بكافة استحقاقاتها، وضمان دخول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة وكاملة ودون عوائق، إلى جانب الإسراع في جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، مع رفض مصر القاطع لأي محاولات لتهجير الفلسطينيين أو إجبارهم على النزوح من أرضهم.

وفي الوقت نفسه، لم يتعامل التحرك المصري مع غزة باعتبارها ملفًا منفصلًا عن بقية الأراضي الفلسطينية، إذ شدد عبد العاطي في أكثر من لقاء على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، ورفض فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وصولًا إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي لقاءاته مع ممثلي المنظمات اليهودية الأمريكية ومنظمة J Street الأمريكية، استعرض وزير الخارجية ثوابت الموقف المصري تجاه القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن التسوية العادلة والشاملة تتطلب إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، مع رفض الإجراءات الإسرائيلية الأحادية في الضفة الغربية، بما فيها التوسع الاستيطاني ومشروع E1 ومحاولات الضم وتغيير الوضع القانوني والتاريخي القائم في القدس ومقدساتها.

كما ظهر الملف الفلسطيني في اللقاءات المصرية مع بريطانيا وهولندا وسويسرا، إلى جانب الاجتماعات العربية والإقليمية، حيث ارتبط الحديث عن غزة بالضفة الغربية والاستيطان، وبضرورة الدفع نحو المسار السياسي باعتباره أساسًا لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.

وفي الاجتماع الوزاري للدول العربية والإسلامية الثماني، الذي استضافته البعثة المصرية في نيويورك، كان إنهاء الحرب في غزة وتثبيت وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات والإسراع في التعافي المبكر وإعادة الإعمار ضمن أبرز الملفات المطروحة، مع التأكيد على رفض التهجير والإجراءات التي تهدد وحدة الأراضي الفلسطينية وحل الدولتين.

— eXtra news (@Extranewstv) This is a Twitter Status


السودان وليبيا.. موقف ثابت للحفاظ على الدول ومؤسساتها


إلى جانب القضية الفلسطينية، حضرت أزمات السودان وليبيا بقوة في تحركات عبد العاطي، مع تركيز واضح على مفهوم الحفاظ على الدولة ومؤسساتها ووحدة أراضيها، ورفض الحلول التي تؤدي إلى مزيد من الانقسام.

وفي لقاءاته مع المسؤولين الأمريكيين والأفارقة والدوليين، أكد الوزير أهمية الحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه وصون مؤسساته الوطنية ومقدرات شعبه، مع دعم الجهود الرامية إلى وقف النزاع وتهيئة الأجواء أمام تسوية سياسية تقوم على الحوار والتفاوض.

أما في الملف الليبي، فتركزت التحركات المصرية على دعم العملية السياسية وإنهاء حالة الانقسام، والحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها، إلى جانب دعم وحدة مؤسساتها الوطنية، بما يساعد الأطراف الليبية على الوصول إلى تسوية مستدامة تعبر عن إرادتهم وتحافظ على وحدة الدولة.

وتكرر هذا التوجه في عدد من اللقاءات، بما يعكس أولوية مصر في التعامل مع أزمات المنطقة من منظور الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدتها، بالتوازي مع دعم الحلول السياسية والدبلوماسية.

روسيا.. شراكة استراتيجية ورؤى متقاربة في الملفات الإقليمية

عكس لقاء عبد العاطي مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف استمرار الشراكة الاستراتيجية بين مصر وروسيا، إلى جانب بحث ملفات المنطقة، وهو ما يعكس قوة العلاقة بين القاهرة وموسكو.

وأكد الوزيران الحرص على مواصلة تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، ودفع المشروعات الاستراتيجية القائمة، وفي مقدمتها مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية والمنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب تنشيط حركة السياحة والطيران بين البلدين.

ولم ينفصل الجانب الاقتصادي عن الملفات السياسية؛ إذ بحث الوزيران تطورات القضية الفلسطينية والأوضاع في السودان وليبيا والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، بما في ذلك أمن الملاحة وحرية حركة التجارة الدولية، مع التأكيد على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها ودعم الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمات.

69711f0bea.jpg


إفريقيا.. حضور مصري يتجاوز اللقاءات البروتوكولية


التحرك المصري في نيويورك حمل كذلك بعدًا أفريقيًا واضحًا، من خلال لقاءات عبد العاطي مع وزراء خارجية ومسؤولين من دول القارة، من بينها تنزانيا وكينيا والكونغو الديمقراطية، والسنغال وإريتريا ومالي والصومال وأوغندا ورواندا.

وفي هذه اللقاءات، حضرت ملفات التعاون الاقتصادي والتجاري والتنمية والاستثمار، إلى جانب الأمن المائي وأوضاع القرن الأفريقي والبحيرات العظمى والبحر الأحمر.

وفي لقاءاته مع المسؤولين الأفارقة، طرح عبد العاطي أهمية تعزيز التعاون والتكامل في نهر النيل، والتمسك بروح التوافق والأخوة ورفض الإجراءات الأحادية، إلى جانب التأكيد على قواعد القانون الدولي في إدارة الموارد المائية العابرة للحدود.

كما جاءت التحضيرات لمنتدى "العلمين إفريقيا" ضمن الأجندة المصرية، باعتباره منصة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين دول القارة، بما يعكس اهتمام القاهرة بتوسيع أدوات التواصل مع محيطها الأفريقي.


تنسيق سياسي عربي في مواجهة أزمات المنطقة


على المستوى العربي، أظهرت اللقاءات تحركًا مصريًا مكثفًا لتنسيق المواقف بشأن الملفات التي تمس الأمن القومي العربي، من القضية الفلسطينية إلى السودان واليمن والبحر الأحمر.

وخلال الاجتماع التشاوري لوزراء الخارجية العرب في نيويورك، شدد عبد العاطي على أهمية البناء على التوافق العربي وتعزيز التنسيق المشترك، مؤكدًا أن القضية الفلسطينية تمر بمرحلة تتطلب وحدة الموقف العربي وفاعلية التحرك المشترك، إلى جانب الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية ودعم إقامة الدولة الفلسطينية.

كما عقد لقاءات مع وزراء خارجية الأردن وقطر والسعودية وتركيا وباكستان، إلى جانب الاجتماع الوزاري لمجموعة الدول العربية والإسلامية الثماني، والاجتماع التشاوري الرباعي، بما يعكس اتساع شبكة التنسيق المصرية بشأن تطورات المنطقة.

وفي الملف اليمني والبحر الأحمر، تكرر التأكيد على خفض التصعيد، والعودة إلى المسارات السياسية، وضمان أمن وحرية الملاحة، ورفض استخدام المضايق والممرات البحرية كأداة للضغط أو التصعيد.

تقارب مصري أوروبي في الملف الفلسطيني والأمن الإقليمي والاقتصادي

وعلى صعيد الجانب الأوروبي من تحركات عبد العاطي، لم يقتصر الأمر على الملفات السياسية، بل جمع بين القضايا الإقليمية والعلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية.

ففي لقاءاته مع وزراء خارجية هولندا وبريطانيا وسويسرا ولاتفيا، جرى بحث العلاقات الثنائية، إلى جانب التطورات في غزة والضفة الغربية والملف الإيراني واليمن وأمن الطاقة والملاحة وسلاسل الإمداد.

وفي الوقت نفسه، ركز الوزير على زيادة التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتوسيع العلاقات التجارية، والاستفادة من موقع مصر وقدراتها الاقتصادية والبنية التحتية والمشروعات القائمة.

وفي لقائه مع وزير الخارجية الهولندي، تناول الجانبان التطورات الفلسطينية، حيث ثمّن عبد العاطي التطور الإيجابي في الموقف الهولندي تجاه القضية، مع التأكيد على أهمية مواصلة الجهود لتنفيذ خطة السلام في غزة وتخفيف المعاناة الإنسانية للشعب الفلسطيني.

15d515066a.jpg


توافق مصري أمريكي في القضايا الإقليمية


حظيت العلاقات المصرية الأمريكية بحضور خاص في أجندة الوزير، سواء عبر لقاءاته السياسية أو اجتماعاته مع ممثلي المنظمات الأمريكية ومجتمع الأعمال.
فإلى جانب مناقشة تطورات غزة والسودان وليبيا واليمن والملف الإيراني، ركز عبد العاطي على أهمية تطوير العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، ودعا الشركات الأمريكية إلى زيادة استثماراتها في مصر، مستعرضًا الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتسهيل التعاون التجاري والاستثماري.
وخلال المائدة المستديرة مع مجلس أعمال التفاهم الدولي، وكذلك عشاء العمل مع غرفة التجارة الأمريكية، سلط الوزير الضوء على موقع مصر الاستراتيجي، ونفاذها إلى الأسواق الإقليمية والدولية، والبنية التحتية والمشروعات القومية، والفرص المتاحة في قطاعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والرقمنة والرعاية الصحية والطاقة.


مصر تدعو إلى ضرورة إصلاح النظام الدولي


ولم تقتصر تحركات عبد العاطي على أزمات الشرق الأوسط، إذ التقى عددًا من المرشحين لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، ومسؤولين في المنظمة الدولية، وبحث معهم مستقبل العمل متعدد الأطراف والتحديات التي تواجه النظام الدولي.

وأكد الوزير دعم مصر للأمم المتحدة ومنظومة العمل الدولي متعدد الأطراف، والتمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، مع الدعوة إلى تعزيز قدرة المنظمة على التعامل مع الأزمات الدولية المتزايدة.

كما طرح في هذه اللقاءات قضايا تهم الدول النامية، من تمويل التنمية وأعباء الديون إلى تغير المناخ والأمن الغذائي وأمن الطاقة، بما يعكس اتساع أجندة التحرك المصري من الأزمات السياسية إلى القضايا التنموية الدولية.


طاقة نووية للجميع شرط الاستخدام السلمي


حضر ملف الطاقة النووية أيضًا على طاولة عبد العاطي، خاصة خلال لقائه بالمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسي.
وتناول اللقاء التعاون بين مصر والوكالة في الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، وتعزيز منظومة عدم الانتشار النووي، إلى جانب التحضير للمؤتمر المرتقب بشأن إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.

كما بحث الجانبان الملف النووي الإيراني، مع التأكيد على دعم المسار الدبلوماسي واحتواء التصعيد وتغليب الحلول السياسية، وتعزيز دور الأمم المتحدة في تسوية النزاعات بالوسائل السلمية.


الدبلوماسية والتنمية الاقتصادية لتحقيق المصالح الوطنية


الملف الاقتصادي ظهر في عدد كبير من اللقاءات، سواء مع الدول أو المؤسسات الدولية أو مجتمع الأعمال، بما يشير إلى ارتباط التحرك الدبلوماسي المصري بأهداف اقتصادية وتنموية مباشرة.

وتكررت الدعوة إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية، وتوسيع التعاون التجاري، ودعم المشروعات الكبرى، والاستفادة من موقع مصر الجغرافي كمحور للأسواق الإقليمية والدولية.

وفي لقائه مع رئيس شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة جيفري ساكس، بحث عبد العاطي التغير المناخي والتنمية المستدامة، وسبل تعزيز التعاون بين المؤسسات المصرية والجامعات ومراكز الأبحاث وشركاء الشبكة، إلى جانب سد الفجوة التمويلية التي تواجه الدول النامية.

كما ناقش مع مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشروعات سبل الاستفادة من الخبرات الفنية في تنفيذ المشروعات وحشد التمويل والشركاء التنمويين، خاصة في الصحة والنقل والبنية التحتية والتحول الرقمي.


البعد الإنساني.. غزة والسودان في صدارة الاهتمام


لم يكن الجانب السياسي منفصلًا عن البعد الإنساني، إذ بحث عبد العاطي مع وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ توم فليتشر الأوضاع الإنسانية في غزة والسودان.

وأكد الوزير ضرورة ضمان النفاذ الكامل للمساعدات الإنسانية إلى غزة وحماية المدنيين، والمضي في جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، إلى جانب ضمان وصول المساعدات إلى الشعب السوداني دون عوائق وتوفير الحماية للمدنيين.

كما استعرض خلال لقائه رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدور الإنساني الذي تقوم به مصر والهلال الأحمر المصري في أزمات المنطقة، وخاصة غزة والسودان، مع بحث سبل الاستفادة من الإمكانات المصرية في دعم العمليات الإنسانية والإغاثية.


أكثر من مجرد لقاءات.. علاقات شخصية ودبلوماسية هادئة


وبعيدًا عن الملفات والأرقام، تكشف طبيعة اللقاءات عن جانب آخر من تحركات عبد العاطي، يتمثل في بناء علاقات مباشرة وشخصية مع نظرائه وشركائه الدوليين.

فاللقاءات لم تقتصر على تبادل المواقف الرسمية، وإنما حمل بعضها إشارات واضحة إلى دفء العلاقات والتقدير المتبادل، سواء من خلال التأكيد على الصداقة والشراكة أو الإشادة بالدور المصري في التعامل مع الأزمات.

وفي أكثر من مناسبة، عبّر نظراء عبد العاطي ومسؤولون دوليون عن تقديرهم للدور المصري في دعم الاستقرار الإقليمي والجهود الإنسانية والمسارات السياسية، كما ظهر ذلك في لقاءاته مع المسؤولين الأوروبيين والأفارقة والعرب والدوليين.

وهذا الجانب الإنساني في الدبلوماسية يلتقي مع طبيعة الملفات التي يتحرك فيها الوزير؛ فالتعامل مع أزمات معقدة مثل غزة والسودان وليبيا واليمن والملف الإيراني يحتاج إلى قنوات اتصال مستمرة، وليس فقط إلى مواقف معلنة، وهو ما يجعل بناء الثقة والتنسيق المباشر جزءًا من أدوات التحرك الدبلوماسي.


محمود عزمي.. استحضار تاريخ الدبلوماسية المصرية في الأمم المتحدة


وفي مشهد حمل دلالة تاريخية، شارك عبد العاطي في مراسم إزاحة الستار عن لوحة تذكارية بمجلس الأمن لتخليد ذكرى عدد من المندوبين الدائمين الذين توفوا أثناء أداء مهامهم، ومن بينهم الدكتور محمود عزمي، المندوب الدائم الثالث لمصر لدى الأمم المتحدة.

واستحضرت المناسبة مسيرة عزمي الذي جمع بين الصحافة والفكر القانوني والعمل الدبلوماسي، وتولى رئاسة لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، قبل أن يتولى رئاسة بعثة مصر لدى الأمم المتحدة ومهام المندوب الدائم في نيويورك عام 1954، حيث واصل الدفاع عن المواقف والمصالح المصرية والقضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حتى وفاته داخل قاعة مجلس الأمن أثناء أداء واجبه.

وفي كلمة بهذه المناسبة، أكد عبد العاطي أن تخليد ذكرى عزمي يمثل تكريمًا لمسيرة وطنية ودبلوماسية حافلة، واستحضارًا لإرث أحد رواد العمل المصري في الأمم المتحدة والدفاع عن قضايا التحرر والاستقلال وحقوق الشعوب.

b72a82b148.jpg


ماذا تقول خريطة التحركات؟


من خلال مجمل اللقاءات، تبدو أجندة عبد العاطي في نيويورك واسعة ومتعددة المستويات، وأكدت توجهات مصر وأولوياتها، وكانت القضية الفلسطينية وغزة في القلب، إلى جانب الأزمات في السودان وليبيا واليمن وإيران والبحر الأحمر، بالتوازي مع تحركات عربية وأفريقية وأوروبية وأمريكية وروسية، لبحث ملفات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتنمية والعمل متعدد الأطراف.

كما تكشف اللقاءات عن محاولة الجمع بين المسارات السياسية والاقتصادية والإنسانية؛ فالدبلوماسية المصرية في هذه التحركات لم تركز فقط على إدارة الأزمات، وإنما سعت أيضًا إلى تعزيز العلاقات الثنائية، وفتح مجالات للتعاون الاقتصادي والاستثماري، ودعم العمل الدولي متعدد الأطراف، والتأكيد على المصالح المصرية في ملفات الأمن المائي والطاقة والتجارة والملاحة.

أما اللافت في شبكة اللقاءات، فهو اتساعها وتنوع أطرافها، من وزراء الخارجية ورؤساء الحكومات ومسؤولي الأمم المتحدة والوكالات الدولية ومجتمع الأعمال والمرشحين لمنصب الأمين العام للمنظمة الدولية.

وترسم تحركات عبد العاطي في نيويورك خريطة متكاملة للتحرك الدبلوماسي المصري لدعم وقف التصعيد والحلول السياسية، والدفاع عن الثوابت المصرية والعربية، والحفاظ على وحدة الدول ومؤسساتها، وتعزيز العلاقات الثنائية، وتوظيف الحضور الدولي في دعم ملفات التنمية والاقتصاد، مع إبقاء القضية الفلسطينية في مقدمة الأولويات.

مصر في الأمم المتحدة

قال السفير نادر زكي المتحدث باسم وزارة الخارجية، إن استمرار هشاشة الترتيبات الخاصة بغزة والتصعيد في الضفة الغربية، إلى جانب الحرب في السودان والتوترات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر وباب المندب، مرورًا بالأزمة الإيرانية وتداعياتها على أمن الخليج، قد ينذر بمزيد من التوتر واتساع رقعة الصراع.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية، ضرورة استمرار المساعي لتعزيز دور الدولة في لبنان، ودعم الجهود المبذولة من توحيد المؤسسات والاستقرار في ليبيا.

وأوضح السفير نادر، أن نقاشات عربية-عربية دارت داخل أروقة الأمم المتحدة شاركت فيها مصر بكثافة، تعكس التحركات الدؤوبة للوزير عبد العاطي على مدار أسبوع، وتؤكد حرص مصر على التنسيق مع الأشقاء العرب لتعزيز القدرة على التعامل مع الأزمات الإقليمية الآنية، وفي الوقت نفسه محاولة من أجل التوصل إلى توافق عربي أملًا في احتواء التصعيد والتوتر في منطقتنا.

702675b58f.jpg
✎

فريق تحرير مصراوي إف إم

فريق التحرير في مصراوي إف إم — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق