الفن التشكيلي في مصر.. البحث عن الابتكار في واقع متردٍ ودور حكومي غائب (تقرير)

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

قبل أكثر من 80 عامًا، أسس رمسيس يونان وبعض التشكيليين المصريين جماعة «الفن والحرية»، دعوة للتجديد والتحرر، ومازال الفنانون المصريون حتى الآن يتذكرون بيانها العاصف الشهير «يحيا الفن المنحط»، انتصارا للقيم التقدمية في مواجهة الماضي والعقول الجامدة، فيما بعد كل تلك السنوات مازال الفن التشكيلي في مصر يعيش أزمة حقيقية؛ كيف يسوق الفنانون أعمالهم إلى الجمهور؟ لماذا يغيب الرعاة عن المعارض؟ أين دور الدولة في الحفاظ على قواها الناعمة من التشكيليين باختلاف مدارسهم؟

«المصري اليوم» استطلعت آراء فنانين تشكيليين حول الأسئلة السابقة، وتباينت آراؤهم حول مفهوم الفن نفسه، كما اختلف تقييمهم لمستواه في مصر مقارنةً بغيرها من دول العالم، وما إذا كانت المشكلات التي تواجهه تحتاج حلا مباشرا أم يمكن تخطيها بواسطة حلول فردية؟...

الفنانة التشكيلية دينا عبدالنبي، ترى أن الفن التشكيلي هو قدرة على النقد ونظرة ثاقبة بشكل مبدع، فهو دائمًا يتضمن نظرة فلسفية أو معنى ما، فالفنان ليس من شأنه رفع الذوق العام أو نشر ثقافة معينة بين الناس، بل هو مرآة للمجتمع ويستطيع عكس الحالة الشعورية والثقافية للناس.

«عبدالنبي» أوضحت لـ «المصري اليوم» أن حصر الفنان في كونه يوجه رسالة للجمهور أو يصنع ذائقة بصرية للناس، هو فكر مغلوط، فالارتقاء يأتي من الوعي واستنباط المعاني والمشاعر ذاتيًا عند رؤية عمل فني.

يتفق مع الرأى السابق سمير غريب، ناقد الفن التشكيلي، قائلا إن مصطلح الذائقة البصرية الذي ارتبط بالفنانين التشكيليين بلا معنى، فالفنان لا يخاطب الجمهور بقدر ما يصنع إبداعه الشخصي من خلال أعماله المبتكرة.

«غريب» شدد على أنه «ليس هناك خطاب بين الفنان التشكيلي والناس لأنه في هذه الحالة يصبح الفن عبارة عن خطاب موجه، وهو أمر مطلوب في بعض الأحيان لكنه قصير المدى ولا يعيش، فعلى سبيل المثال خلال ثورة 25 يناير، عبر عدد من الفنانين عن فكرهم المؤيد للثورة وعن أملهم وطموحهم بواسطة أعمالهم الفنية».

تابع غريب لـ«المصري اليوم»: «هناك فنانون أنتجوا أعمالا فنية توعوية خلال فترة انتشار فيروس كورونا، لكن بما أن هذا النوع من الفن يعتبر مصنوعًا خصيصًا للتعبير عن شيء ما في فترة بعينها، فهو ينتهي بانتهاء دوره ويتحول إلى مجرد أرشيف».

أين دور الدولة؟

وعن الجيل الجديد من الفنانين التشكيليين؛ تقول دينا عبدالنبي: «من الطبيعي أن يختلف كل جيل في نوع الفن الذي يقدمه، فكل جيل يعكس ظروفًا مختلفة عاش بها ويتحدث لغة زمنه، كذلك كل جيل يستخدم الأدوات التي تشبهه، فالفن التشكيلي يتطلب الخروج عن المألوف ما دام ينتج صورة بصرية مبدعة ذات معنى ولا تشبه إلا نفسها».

وأشارت إلى أن الاختلاف بين أجيال الفنانين أمر ضروري وصحي حتى يستطيعوا خلق اللغة الخاصة بهم «الجيل الجديد مينفعش يسمع كلام مدرسيه، هم بيتعلموا الرسم عشان يكسروا القواعد مش يمشوا عليها».

عن دور الدولة في دعم الفن التشكيلي، قالت: «دور الحكومة في مصر أفضل من أوروبا»، لافتة إلى أن الدول الغربية أيضًا لديها مشكلات فنية ومادية والأمر ليس ورديًا كما يعتقد البعض، ما عدا فرنسا والدنمارك.

وأوضحت أن المعارض المصرية الخاصة لم تعمل فقط على التسويق للمنتج الفني بشكل أقوى من المعارض الحكومية لأنها هادفة للربح بل تؤدي دورا مهما وواقعيا يهتم بالفن وليس جلب الربح فقط، بعكس المعارض الفرنسية التي تمول أي فنان مهما كان مستوى الفن الذي يقدمه.

بينما يرى الفنان الشاب، حكيم أبوكيلة، أن الفن التشكيلي بمصر جيد في شكله ومضمونه لكن الدولة لا تقوم بالدور المادي أو المعنوي تجاهه بالمستوى المطلوب، نظرًا لقلة الفعاليات والأنشطة التي تتمثل في الصالون العام، صالون الشباب، ومنحة وزارة الثقافة ذات العائد المادي الرمزي غير المشجع على المشاركة.

فيما يرى سمير غريب أن «قلة عدد المعارض في مصر أيضًا يعتبر عائقا أمام الفنانين الشباب، حيث تقتصر معارض الفن التشكيلي في مصر على القاهرة الكبرى والإسكندرية فقط، رغم أن الفنانين موجودين في كل أنحاء الجمهورية، بالإضافة إلى المعارض التابعة لوزارة الثقافة وقطاع الفنون التشكيلية والأوبرا وهيئة قصور الثقافة غير نشطة».

يرى «غريب» أن مستوى الفن التشكيلي في مصر بشكل عام متواضع باستثناء حالات فردية سواء في الشباب أو كبار السن، موضحا أن نسبة التميز تعتبر أكبر في الفنانين الشباب، ما يعتبره مؤشرا إيجابيا، لافتا إلى أن التقدم في الفن التشكيلي لا يعتمد على نهج معين بل يعتبر تحديا وسيحدث مع كثرة التجارب العملية.

وتابع «على الرغم من أن المعرض الخاص يسمح للفنان بتسويق منتجاته بشكل أفضل من المعرض التابع للدولة إلا أن المعارض الخاصة قليلة جدًا في مصر بالمقارنة بفرنسا التي قد يصل عدد المعارض بها إلى 3000 معرض»، مشيرًا إلى أن مستقبل الفن التشكيلي في مصر لن ينهض بمفرده فلا بد من انتعاشه في كافة فروع الفن لأنه بالنهاية يعكس ظروف مجتمع واحد.

الابتكار هو الحل

دينا عبدالنبي ترى أن «التطور الذي تشهده أوروبا في الفن التشكيلي سواء في الأفكار أو الأدوات أو أساليب العرض لا يعني أننا متأخرون، فليس معقولًا أن نسير على نهج قواعد فنية نتج عنها ثقافة غربية مختلفة تمامًا عن ثقافتها، فمن المهم أن نبتكر فنًا يشبهنا وباستخدام أدوات ولغة مستوحاة من تراثنا».

«مفيش مصباح سحري هيقول المستقبل فيه إيه»، هكذا ترى الفنانة التشكيلية مستقبل الفن في مصر، موضحة أن كل فترة ستعكس نفسها من خلال مجالات الفن المختلفة وليس الفن التشكيلي فقط، واختتمت: «الأدوات التقليدية لن تتلاشى بظهور الطرق المستحدثة للفن التشكيلي فالساحة مفتوحة أمام كل الفنانين وكل فنان له نظرة تختلف عن غيره لذا كل منهم سيستخدم الأداة التي تناسب فكرته».

يراهن الناقد سمير غريب على الابتكار «هو التحدي الحقيقي أمام الفنانين في العالم كله، لكن الفنانين المصريين يواجهون تحديا أكبر من الأوروبيين لأنهم يمارسون فنًا بلا جذور فتاريخ مصر مع الفن التشكيلي يعتبر قصيرًا، في حين أن الأوروبيين يستمدون فنهم من تاريخهم مع الفن والذي يرجع إلى ما قبل الميلاد».

مضى قائلًا: «المصريون تعلموا الفن التشكيلي من أوروبا في بداية القرن العشرين وكانوا يرسمون على النهج الأوروبي، وما زلنا نستمد منهم الأشكال المبتكرة في الرسم والنحت»، موضحًا أن الأوروبيين لم يتوقفوا عند استخدام الأدوات التقليدية كالألوان واللوحة، بل استخدموا أدوات جديدة غير تقليدية مبكرًا وهو ما بدأ الفنانون الشباب في فعله.

أوضح «لذا نجد العديد من الأعمال الفنية التي تعتمد على خامات مختلفة مثل التبغ والتراب والأطعمة والفواكه والخضروات، وبالإضافة لاستخدام التقنيات الحديثة كالرسم بالفيديو أو الديجيتال آرت»، لافتًا إلى أنه ليست كل الطرق المبتكرة مفضلة بالنسبة له، حيث يرى الديجيتال آرت على سبيل المثال شبيهًا بعروض الفيديو أو السينما ولكن هذا لا يعني أنه ليس وسيلة للإبداع فقد يبدع أحدهم باستخدامه.

وبخصوص المشكلات التي تواجه التشكيليين الشباب؛ قال: «الفنان التشكيلي لا يستطيع الاعتماد على فنه كمصدر رزق، لأن أغلب الشباب حديث التخرج من مختلف المجالات يواجهون مشكلة في إيجاد وظيفة مناسبة في مجالهم، خصوصًا الفنانين التشكيليين إلا في بعض الاستثناءات، خاصة أن المقتنين لمنتجات الفن التشكيلي في مصر قليلون».

وأوضح «غريب» أن الأمر لا يقتصر على الفن التشكيلي فقط، بل إن حتى المشاهير من مختلف المجالات الإبداعية لا يستطيعون العيش من إبداعهم فقط، فعلى سبيل المثال الأديب الراحل نجيب محفوظ كان موظفًا بالحكومة وكان يعتمد على وظيفته كمصدر للرزق قبل حصوله على جائزة نوبل.

بينما يقول الفنان التشكيلي حكيم أبوكيلة، لـ«المصري اليوم» إن هناك عدة حلول بديلة يمكن للدولة دعم الفنانين التشكيليين الشباب من خلالها، وتتمثل أولًا في تطوير المناهج الأكاديمية التي تدرس في الجامعات، بحيث تعود مناهج الفن التشكيلي إلى عام 1970، وهذا لا يعني أنها غير مفيدة بل على العكس ولكنها تحتاج للتطوير، والأمر الذي سيُحدث تغييرًا في تفكير الفنان بما ينعكس على أعماله.

أضاف: «بدلًا من أن يعقد صالون الشباب مرة في السنة ويكون مكتظًا بالأعمال الفنية الخاصة بالفنانين المشاركين، يمكن عقده أكثر من مرة في السنة حتى يحصل كل فنان على حقه في الظهور»، كما اقترح أنه يمكن لوزارة الثقافة تزويد الميزانية المخصصة لفعاليات الفن التشكيلي بشكل نسبي وتزويد عدد الأنشطة والمسابقات.

وتابع: «يمكن تقديم دعم حقيقي للشباب على غرار ما بدأت دول الخليج فعله خلال الآونة الأخيرة، والذي يتمثل في اختيار عدد من الفنانين الشباب وفقًا لشروط معينة للحصول على الماجستير ومن ثم حصولهم على وظيفة تابعة لوزارة الثقافة».

كما أشار الفنان الشاب إلى ضرورة اهتمام وزارة الثقافة بعقد معارض حقيقية تكون ذات عائد مادي مُرضٍ حتى يستطيع الفنان استكمال عمله: «مش مقتنع إن الفن للفن».

اختتم: «الفنان التشكيلي يمكنه الاعتماد على فنه كمصدر رزق في حالة العمل من خلال المعارض الخاصة أو الاعتماد على التمويل من المؤسسات الخارجية، لكن الأمر يخضع للزرق في النهاية والمعيار ليس ثابتًا».

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    110,319

  • تعافي

    100,847

  • وفيات

    6,429

0 تعليق