المنهج الطبي في تحليل موازنة المواطن

منذ 3 ساعة

من منطق الخبرة المهنية، قد يدخل على  الطبيب مريض يحمل ملفًا أنيقًا من نتائج المعمل: السكر في حدوده، ووظائف الكبد سليمة، والدهون تحت السيطرة. تقلّب الأوراق وتبتسم: «تحاليلك ممتازة». فيرفع المريض إليك عينين أرهقهما السهر ويقول: «لكنني تعبان وأتألم يا دكتور».

 

في تلك اللحظة يُمتحن الطبيب. أسوأ الأطباء من يتشبث بالورق فيقول للمريض إن ألمه وهم، وشكواه دلع. وأسوأ منه من يمزق الورق فيقول إن المعمل كاذب. أما الحكيم فيعلم أن المعمل يقيس ما يقيس، وأن المريض يعيش ما يعيش، وأن الحقيقة تسكن في المسافة بينهما، وأن الجسر الذي يردم هذه المسافة اسمه الثقة، واحترام العَرَض وتصديق المريض، والبحث عن الحقيقة.

 

خطر لي هذا المشهد وأنا أقرأ موازنة المواطن التي أصدرتها وزارة المالية، وجائتني في ملف من الوزير المحترم الصادق المحترف أحمد كوچاك. 
 

وأقولها منصفًا: هي أوضح مما سبقها وأجرأ، وفيها خطوات صادقة، من قائمة بيضاء للممولين الملتزمين، إلى تسهيلات في الضريبة العقارية، إلى تحسّن في مؤشرات الشفافية. وفيها تحاليل جيدة بلا شك: فائض أولي مستهدف يقارب 5% من الناتج، ودين يتراجع، ونمو يقترب من 5%.

 

ومع ذلك يقرأ المواطن هذه النتائج ثم يفتح فاتورته فيجدها أثقل. فهل يكذب المعمل؟ لا أظن. لكن المعمل يفحص الجسد كله، والمريض لا يشعر إلا بعضو واحد اسمه الجيب ومصاريف دروس أولاده الخصوصية ونفقات علاج أي واحد من أسرته التي لا يستطيع تحملها.


والطبيب الحصيف حين يتسلم تقريرًا لا يبدأ بالرقم، بل بثلاثة أسئلة.
الأول: بأي وحدة قِيس؟ فسكر 5.5 بالمليمول غير سكر 5.5 بالمليجرام، الرقم واحد والحكم مختلف. والدستور يفرض للصحة والتعليم والبحث العلمي نسبًا من الناتج، والوثيقة تقول إنها استُوفيت، فالصحة عندها 4.2%. 

لكنني قسمت المخصصات على الناتج المذكور في الوثيقة نفسها، 24.5 تريليون جنيه، فبقيت الصحة فوق حدها بنحو 3.5%، وهبط التعليم والبحث العلمي دون حديهما. ولم تصح النسب المعلنة إلا على ناتج قرابة 20.5 تريليون، يبدو أنه ناتج العام الماضي. وقد يكون هذا منهجًا مقبولًا، لكن الرقم الذي يُكتب بلا وحدة لا يُقرأ.


والثاني: ماذا وُضع في الخانة؟ تعترف الوثيقة، وفي هذا فضل الصراحة، بأن نصيب القطاعين من أعباء الدين يُحتسب ضمن مخصصاتهما، لأنهما استفادا من الاستدانة.

فكأن قسط القرض الذي بُني به العنبر يُحسب من كلفة علاج المرضى فيه. ولا اعتراض عندي على القيد المحاسبي، إنما على غياب الحجم: من كل جنيه رُصد للعلاج، كم بلغ سرير المريض، وكم ذهب إلى من موّل بناء العنبر؟ الوثيقة لا تقول، وأنا لا أعرف، ولا أحسب أن أحدًا يعرف حتى تُنشر القوائم.

وخلف هذا السؤال رقم يثقل الصدر: الفوائد وحدها 2.42 تريليون جنيه في هذه الموازنة، أكثر من الصحة والتعليم مجتمعين (2.09 تريليون).


والثالث: هل يقول التقرير الشيء نفسه في كل صفحة؟ 
فإذا قرأت في صفحة أن ميزانية الصحة زادت 30%، وفي التي تليها أنها زادت 39.6%، رددت الورقة إلى المعمل، لا لأنك تشك في أمانة القائمين عليه، بل لأن المعمل الذي يطبع رقمين لتحليل واحد يفقد شيئًا من حقه في التصديق.


ثم إن للطب درسًا آخر ينفع الاقتصاد، هو ما يسمونه الالتزام بالعلاج. فأحسن الأدوية لا ينفع مريضًا لا يثق بطبيبه. والدولة حين تراهن اليوم على الامتثال الطوعي وتوسيع القاعدة الضريبية إنما تراهن على الثقة أكثر مما تراهن على القانون. فالممول الذي يقدم تقريرًا من مراقب حسابات اعتمدته الدولة نفسها، ثم يرى تقديرًا جزافيًا يتجاوزه، كمن جاء بتحليل من معمل معتمد فقيل له: سنقدّر لك بالنظر. كيف نطلب من هذا المريض أن يعود إلى العيادة غدًا؟

 

وحين يسمع أن الدولة ستفسح الساحة للقطاع الخاص، ثم يرى جراحًا كبيرًا أعلن أنه سيتنحى ليفسح المجال للشباب، وبقي في كل غرفة عمليات ممسكًا بمشرطه، أفلا يسأل عن صدق الخطة قبل أن يسأل عن تفاصيلها؟

 

لا أكتب هذا شكًا في الوزير، فهو في ما أرى حِرفيّ كفء، وقد أحسن حين وضع بين أيدينا وثيقة تتيح لنا أن نسأل أصلًا. إنما أكتبه لأن الخطر ليس أن نخطئ في رقم، فالخطأ يُصحَّح. الخطر أن يعتاد الناس ألا يصدقوا الأرقام كلها، صحيحها وسقيمها، فيتساوى عندهم أصدق الأطباء وأكذبهم، ويكفّ الجميع عن قراءة التحاليل.

والدواء أبسط مما يُظن: أن يكتب المعمل بجوار كل رقم من أين جاء وإلى أين ذهب. عندها فقط يصدق المريض أنه سليم إن كان سليمًا، أو يصدق أنه مريض إن كان مريضًا، وفي الحالتين يبدأ العلاج. فمتى نرى بجوار كل رقم في موازنتنا سطرًا صغيرًا يقول: من أين جاء، وأين وصل؟

✎

فريق تحرير مصراوي إف إم

فريق التحرير في مصراوي إف إم — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق